الحكيم الترمذي
146
غور الأمور
الكتاب ، واللوح يلوح بأقدر اللّه ومشيئته وعلمه . فنظمه وأثبته ثم أظهره فلاحا الملك الذي هو موكل برفع نسخة قصة العبد بخلقه ورزقه وسعيه وأجله فاستنسخه وناوله السفرة الكرام البررة . فهم يمسكونها في السماء حتى يظهر على العبد في الأرض ، وكل به الحفظة الكرام الكتبة . حتى إذا كان يوم البروز إلى اللّه في العرض على اللّه ، نشرت الصحف ، وهو قوله : وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ « 1 » إلى قوله : عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ « 2 » فكشطت السماء أي نزعت ، وظهر العرض ، وبرز الديان ، وظلل الغمام ، ووضعت الجنة على اليمين ، والنار على الشمال ، ثم نشرت الصحف ، وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد بما كسبت ، معلقة صحيفته على عنقه ، وتلك الصحيفة التي كتب عليه الحفظ ، وهو قوله : وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ « 3 » . فهذا كتاب الحفظة ، ثم قال : و نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً « 4 » ، فهذا كتاب السفرة ، ثم قوبلت هذه التي أحصتها الحفظة بالتي كانت في أيدي السفرة المنسوخة من اللوح ، فلا يوجد فيه زيادة حرف ، ولا تقديم حرف ، فأحكم تبارك اسمه شأنه في الرزق على هذا العبد إيجازه الحجة عليه ، وتفريغا لقلبه ، وإخلاء لصدره عن الوسواس ، لأن لا يكون للعبد عليه حجة يوم القيامة عند مطالبته بالعبودة أن يقول : شغلني رزقي ومعاشى وضرورات .
--> ( 1 ) سورة التكوير / الآية 10 . ( 2 ) سورة التكوير / الآية 14 . ( 3 ) سورة الإسراء / الآية 13 . ( 4 ) سورة الإسراء / الآية 13 .